مع السياسة

الإثنين, 15 أيلول/سبتمبر 2014 18:27
قيم الموضوع
(1 تصويت)

 

الحديث عن السياسة أمر يفتقر للدقة ويثير الكثير من الاستياء وعدم الاكتراث، فهو حديث تنقصه المصداقية ومراوغ، لذا تجد أغلب الناس يتعاطون معها كماده للتسلية وتمضية الوقت لا أكثر وبالمقابل فهم ينفرون من الاهتمام بها وينصرفوا من الحديث عنها لما هو اهم بنظرهم، حيث تأتي اولوياتهم المعيشية واهتمامات المستقبل في سلم اولويات التفكير، وهو حديث أخر عن السياسة لكن بشكل مبسط وفيه من الجدية الكثير، كما هي الحرب ممارسة للسياسة بوسائل اخرى حسب تعبيرات متداولة.

النخب السياسية في البلد أفقدت الناس الثقة بجدوى العمل السياسي خصوصا في فترة ما قبل الثورة، تلك الفترة سادها الجمود على اغلب المستويات كما هو معروف، حيث اقتصر مجال اهتمام النخب حول تحسين شروط المفاوضات على قضايا بعيدة عن اهتمامات الناس اليومية، (القائمة النسبية واللجنة العليا للإنتخابات واشياء مشابهة)، واضحت السياسة لا تؤكل عيش، بهذا المعنى البسيط ينظر لها الغالبية فحيث لا توجد فرص للعيش يبقى من العبث شغل الوقت وتمضيته بالحديث عنها.

على أن ثورة11فبراير كما بتعبير الدكتور عبد الرحمن عمر السقاف، "قد اعادت الإعتبار للسياسة كفعل اجتماعي جمعي" حيث أخذ الناس يتداولون اخبارها ويتابعون مجرياتها بشغف واهتمام كبيرين، ذلك أنهم كانوا صانعي هذه العملية والمعنيين بها قبل غيرهم، رغم هذا الشغف الذي تولد لدى الناس بفعل الثورة ورغم اصرارهم على انجاز العملية الثورية ولو عبر السياسة وادواتها ،فقد اصبح المهم لديهم هو الإنتصار والتخلص من ماضي مرير عبث بحياتهم وهدد مستقبلهم كثيرا وبأي وسيلة خاصة بعد المؤشرات المخيفة التي بدأت الثورة تنجر نحوها.

حيث راهن الشارع على كل الخيارات لتحقيق اهدافه بما في ذلك العمل السياسي ولو لم يبدي الثقة الكاملة به الا أنه ظل يراقب العمل السياسي بإهتمام بالغ الى أن سلم بهذا الخيار اخيرا، ورغم هذا كله الا ان اهتماهم ذلك انحسر تدريجيا ليصل بفعل عملية التيئيس التي عملت عليها بعض القوى وضختها للناس مسخِّرة امكانياتها المختلفة ومستغلة لفساد واخفاقات بعض المكونات المحسوبة على الثورة الى معاودة الإنطباع السابق عن السياسة وعدم جدواها.

سيصبح الحديث عنها اذا -كما كان- حديث يثير ذلك النفور الذي قد يصل للكراهية احيانا، وستجد نفسك محاصر كشخص مهتم بالسياسة والشأن العام ومحل للنظرات المتضايقة، ولن يتأخر البعض عن السخرية منك، كشخص لم يستوعب بعد عبثية السياسة وعدم جدواها.

 اتحدث عن هذا الوضع ولا اهمل الإندفاع الكبير الذي حصل بالمقابل للإهتمام بالسياسة لدى كثير من الناس والشباب بوجه خاص، الا أن التعاطي معها لا يزال تقليدي ومبسط، والأنظار المتابعة في عجله من امرها وتريد انجازات على وجه السرعة والا فتحاصر بالإنطباعات السلبية عنها وتلحظ انعدام الثقة قد اصبح سائد لدى الكثيرين.

على أن التعاطي الإيجابي مع فعل بهذه الأهمية التي يتحدد بها مصير بلد، هو ما سينتج حالة من التبشير بجدوى العمل السياسي بل وبأهميته .

سأتحدث هنا عن العملية السياسية كمساحة للفعل وتحقيق الإنجازات، مساحة توازي الفعل الجماهيري الذي هو المصنع الأول لها. فحيث ينخرط الناس في نضالات جماهيرية للتعبير عن مطالبهم الا انها لا تتحقق بغير ادوات السياسة وفعلها اليومي.

استطيع القول ايضا بأن العملية السياسية الجارية اليوم قد انجزت عدد من الأهداف التي نادت بها ثورة 11فبراير ، فبغير العملية السياسية لما انهارت امبراطوريات عتيقة ظلت لعقود جاثمة على نفس الشعب ومصدر ويلات كبيرة كما أنها انجزت الكثير من مهمة التغيير بطريقة أنضج من التعويل على الفعل الجماهيري في الشارع، ذلك ان هذا الفعل مهما بدأ كثيفا ومصدر قوة الا انه في الحالة غير الواعية والمنظمة لمجموعه كما كان حاصل في ثورة الشباب يظل عرضه لانتهازية القوى المنظمة للثورة او تلك التي ترى في الثورة مجرد مكاسب وانجازات خاصة بها ،هنا سيكون الأمر مختلف حيث لا يمكن الثقة بالسياسة سوى بوجود فاعلين سياسيين ينتصروا عبر اداءهم لمطالب الناس ، منطلقين من المطالب الشعبية لتحوليها الى قضايا، يصبح الحديث عنها بشكل أخر واكثر مسؤولية من قبل اطراف هذه العملية..

اتذكر جيدا الموقف السلبي الذي عبر عنه غالبية شباب الثورة حين آلت الثورة الى عملية سياسية سيتقاسم اطراف السلطة والمعارضة للحكم وتتبخر آمال الناس بجدوى الثورة، سيتحدث الكثيرين عن المحاصصة والتقاسم وسيلمح اخرين للفشل وخيبة الأمل اخيرا كون العملية السياسية بطئيه ولم تنجز مطالب الثورة بالشكل المطلوب والسرعة المتوقعة..

وهنا سنتسأل عن مألات الثورة والمحصلة التي ستفضي اليها مع التأكيد على عدم اهمال قيادات الثورة والطريقة التي برزوا فيها وكذا لحماتها ومواقعهم اللاحقة والاوضاع التي كانوا يمثلوها قبل الثورة.

سنجد الكثير من المفارقات اولا في الثورة ذاتها التي انتفضت ضد منظومة الفساد والإفقار والعبث التي مثلت بنية النظام السابق وظلت حجر عثرة امام تقدم اليمنيين وانجاز عمليتهم التاريخية المضادة لمصالح هؤلاء المنتصرة لخياراتها الإجتماعية، والطريقة المعدة لمستقبنا جميعا من قبل مثل هؤلاء (مصالح اجتماعية متناقضة ومواقع طبقية تفرض مطالبها تبعا لهذا الموقع او ذاك) ولا داعي للحديث عن المألات الكارثية التي ستسفر عنها ثورة بمثل هكذا قيادات، على أن الحاصل اليوم رغم كارثيته لا يساوي شيء امامها، ولا داعي لبديهية المحصلة النهائية لها.

لقد مثل الإقصاء واهمال شرائح واسعة من الشعب عن المشاركة الفعلية في السلطة والثروة أهم اسباب ثورة 11فبراير، كون الإقصاء والتهميش افضى بدوره لإفقار هذه الشرائح ورتب لها درجات دنيا في سلم اهتماماته الذي بدأ يتقلص ليشمل الأسرة الصغيرة، لذا فقد كان من المنطقي اعادة هذه الشرائح والقوى الإجتماعية الى متن العملية السياسية كشركاء في صياغة وثيقة نظرية لمستقبل البلد وبالتالي شراكة فاعلة في تنفيذ هذه الوثيقة، لتتجسد هذه الشراكة على الواقع ويتجاوز اليمنيين مرحلة سيئة في تاريخ بناء دولتهم وليشرعوا بعد ذلك في تقديم المشاريع وكسب ثقة الناس لإستكمال مهام الثورة الإجتماعية.. الا أن أشياء كثيرة من ذلك لم تنفذ وعادت البلد الى المربع السابق بشخصيات جديدة واربطة عنق مختلفة وانحياز ثابت لم يتغير ولتراوح الأزمات الإجتماعية  والإقتصادية مكانها ولتواصل احتدامها لتنفجر مجدد ودون الأخطاء السابقة لكن بأخطاء جديدة وتقليد كبير لخطاب ساحة التغيير.

اشتغل طرفي السلطة مع المريدين والأتباع المشكلة لبنية النظام على الدوام من خارج العملية السياسية وتعاملت مع الدولة كفريسة تنقض عليها لتجيير امكانياتها لخدمة مشاريعها الخاصة، وامام هذا كله ظلت الدولة كفكرة غائبة عن هذه القوى وحاضرة كإمكانيات تستخدمها لقمع الأخر وقهره وكذا للاحتماء وتسهيل انجاز مهامها الخاصة القائمة على الوكالات التجارية وبناء المراكز النافذة والمتحكمة بشؤون المجتمع من خارج الدولة.

وظلت لذلك تتعامل بانتفاعية محضة مع الدولة، فهي لا تعبأ بالأخرين الا كرعايا يفترض بهم الإمتثال والطاعة في اقبح صور امتهان الإنسانية حيث يقسم المجتمع الى اسياد وعبيد، اناس يحتمون بإمكانيات الدولة ويسخروها لمصالحهم وأناس يظلوا رعايا حالمين بوهم الدولة.

ولكي لا نكرر مهازل التعامل مع الدولة كغنيمة يفترض بالقوى الطارئه ان تكون داعم حقيقي لبناء دولة وان تشتغل لأجل ذلك من داخل العملية السياسية وبأدواتها لا من خارجها، والا فنحن امام فصول جديدة من استمرار اختطاف الدولة، على أن التعويل على قوى دينية لا تعي التاريخ وتتعامل معه بميكانيكية فجه يصبح تعويل لا طائل منه.

مع السياسة كفعل اقل كلفة واكثر قدرة على تحقيق انجازات على الأرض، لكن لست مع السياسة حين لا تحظر فيها قضايا الناس، حين تصبح مجرد تقاسم للغنائم لا أكثر.

قراءة 9199 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 16 أيلول/سبتمبر 2014 21:43

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة