راشد محمد

راشد محمد

الأربعاء, 18 آذار/مارس 2015 18:06

الاشتراكي مرة أخرى..

 

التلويح بالحرب هو تعبير واضح عن أزمة المراكز النافذة، وإشارة لكونها فقدت الحيل التي ظلت تروجها كي يتسنى لها الإفلات من رقابة المجتمع عبر تتويهه وتنويمه ان جاز التعبير بمسكنات تشل فاعليته لبعض الوقت.

تلك المسكنات لم تعد تجدي، فمجرد التفكير بها مجدداً وإعادة ترويجها ضرب من التخريف لم يمهل الديكتاتوريات سوى أيام تهاوت على إثرها عروشها الخرافية.

لا تمضي الحرب سوى على ظهور الفقراء ولا تحصد سوى رؤوسهم فالهدف منها في كل مرة هو التخلص من فائض الغضب والمعارضة التي يصبح لتحركاتها أصداء هنا وهناك، وبث الرعب والخوف لدى من تبقى منها، ليس بالضرورة ان تكون المعارضة حزباً أو ائتلافاً فهي احتدام لمشاعر السخط وتنامي للغضب الشعبي من جملة التدهور الذي يقضي على أملها بإمكانية الاستمرار والتطور، وهي فكرة قبل كل شيء.

حين يلوح صالح بالحرب فهو يفصح عن ذروة أزمته للجميع ومجرد الحديث عن الوحدة وبث مخاوف الانفصال هو من قبيل الخرف الذي لا يمكن معه التفريق بين معطيات الأمس واليوم، فالتاريخ لا يعيد نفسه سوى كمهزلة لن يجد معها صالح أو غيره من الطامحين شيئاً يمكنهم حكمه، عوضاً عن عدم قدرتهم على حسم أي حرب قد يدفعهم الغرور وذروة أزمتهم لإشعالها.

لا مسار واضح لدى اليمنيين سوى مجاهيل التشظي واحصائيات متضاربة وغير واضحة عن اليمن التي يمكن ان تبرز على رقعة الجغرافية الحالية التي يدق الزعيم اليوم طبول الحرب عليها.لا يمكن التسليم بالحرب كخيار حتمي، فلدى الناس مخاوف كبيرة من نماذج المنطقة العربية التي لم تتعاف بعد، وإمكانية تعافيها ما زالت خارج الحسبان، بيد ان على هذه المخاوف ان تترجم الى مواقف واعية وعملية يظل الشارع السلمي هو مسرحها الدائم لرفض تقاسم البلد أو مصادرته وارتهانه للخارج كأسوأ الخيارات.

يحتاج اليمنيون اليوم أكثر من أي وقت مضى للوقوف مع مستقبل ابنائهم عبر إداركهم لمغزى الاصطفافات القائمة وتحديد وجهتهم كشعب اصطفافاته دائماً عابرة للتخندقات، عابرة لكل الأشكال الزائفة والمراوغة، وفي عمق حاجتهم الاجتماعية.

الحوار هو سلاحنا الوحيد والفاعل لكبح جماح القوى التقليدية عن مساعيها الجنونية، لا يمكن ان نعوّل على القوة والسلاح فهذه أدوات يمتلكونها هم ونفتقدها نحن كشعب ظل يناضل من أجل بناء دولة عادلة ويبحث عن مواطنة.

 الشيء المهم الذي يجب ان ننتبه له هو ضرورة ان يستمر الحوار بالتوازي مع حركة الشارع التي ينبغي ان لا تتوقف، فحين تخرج الجماهير إلى الشارع لرفض الحرب فهي بذلك تقدم استفتاء واضحاً على رفض المغامرات وإدانتها، وهي ما تزال نوايا في أذهان أصحابها.

على أن الاقتصار على الحوارات دون سند شعبي ضاغط وحاضر في صلب اهتمامات المتحاورين هو تقاسم للسلطة يحصل فيه الأقوى على ما يريد ويظل حواراً سلبياً، وحين ينتفض الشارع دون ترجمة خروجه الى مواقف سياسية ضاغطة يظل خروجاً لا معنى له وفي هامش اعتبارات السياسيين.

المرحلة خطيرة وتنذر بالشؤم وأمامنا خياران، إما أن نتصدى بوعي ومسؤولية لدعوات الحرب وبوسائلنا السلمية، او ان ننجر لمربع المواجهة والاحتراب الذي لن ينتصر فيه أحد سوى غلبة النهب والغنيمة ولن نحظى معها بوطن يمكن لأحدنا العيش فيه؛ فلغة الحرب تحتشد في اكثر من جهة وتتعدد شعاراتها وكلها تصب في خدمة مشاريع تقليدية لا تخدمنا.

الحرب من حيث المبدأ خيار كارثي، ومن حيث موقعنا لن تكون في صالحنا او في صالح المجتمع. حين تتحدث البندقية تخرس الألسن، ولا صوت يعلو على هدير المدافع. وهنا يتطلب الأمر منا مغادرة وعي الحرب الى وعي السياسة والنضال السلمي، قد تكون الكلفة باهظة نوعاً ما، لكنها أقل بكثير من تلك التي يدفع ثمنها أجيال متلاحقة من حرياتهم وحقوقهم ومواطنتهم وأحلامهم، عندما تندلع الحرب. لن يبقى لنا أمل في إمكانية بناء دولة للأجيال القادمة. تستطيع الحرب أن تهزم أي أمل قد يحتفظ به المرء إلى أوقات الشدة، تستطيع ان تفعل هذا دائماً.

يبدأ وعي السياسة بمغادرة وعي الحرب، أتحدث عن السياسة بما هي تعبير عن مصالح الناس وإدارة لها، لا بالتعبيرات السلبية والشكلية التي يتم ترويجها للناس كوهمٍ لا جدوى منه، عندما تحضر فيها الحرب كإحدى وسائل لممارسة ذلك الوهم الذي يدعونه"سياسة".

ما زال الوعي بالسياسة قاصراً جداً، فمشاركاتنا إما ان تأتي تابعة للقوى الأخرى، أو اننا نتيه في زحمة التوافقات والتناقضات وننسحب معلنين لعنتنا التاريخية على السياسة وجدواها.

الشارع يفرض خياراته على الجميع ولديه تجربة في هذا وينبغي ان يظل الرهان عليه، فحين ينتصر الشعب لذاته فإنه يتجاوز ما فوق الركام وما ينبعث من وسطه ولا تبدو معه هذيانات صالح عن الحرب سوى حالة نفسية تستدعي الشفقة عليه وعلى قطيع واسع من مؤيديه.

لكن من الذي يجب ان يقود الشارع وكل الأطراف متربصة ببعضها وتتحين الفرص المؤاتية لتنقض على كل شيء؟، الذي يقود الشارع هو الوعي الحتمي بكون خلاصنا الفردي لا يأتي إلا بخلاص جميع اليمنيين، وهذا الوعي نتمثله نحن ومئات الآلاف من اليمنيين، فقط نحتاج لحامل سياسي يلتقط اللحظة ويوجه ويوظف مطالب الناس لمصالحهم، نحتاج للحزب الاشتراكي كرؤية وفعل شعبي وسياسي وقيادي، فما زالت القوى الاجتماعية تراهن عليه وما زال عبر أدائه السياسي يمثل مصالحها ولو ظل فعله هذا محجوباً عن الناس بفعل عدم امتلاكه لمنظومة إعلامية حقيقية تسهم في إيصال مواقفه وتوضيحها لهم.

الحزب الاشتراكي اليوم هو الحاجة الماسة للخروج من الوضع المؤسف وعليه ان يدرك هذا ويسند مواقفه السياسية بضغط شعبي يمتلكه الاشتراكي ويستطيع ان يجعله فاعلاً متى أراد.

الجمعة, 26 أيلول/سبتمبر 2014 05:35

المواقف المختله

 

يتحدث الجميع عن خطر الحوثي أو عن ثورته بعيدا عن السياقات التي تتحرك فيها هذه الأحداث ،هكذا ببساطة يتم تناول الأحداث في اليمن وبلا أدنى اعتبار لجذور الأزمة اليمنية ، وكأن الحوثية أتت من خارج التاريخ ولم تتخلق في واقع تم فيه احتكار السلطة و القرار السيادي في منظومة محددة وفي اطار جغرافي معين اخذت تناقضاته الداخلية تتسع كل يوم وتحاول السيطرة على الحكم وهي تتحرك ضمن السياق الذهني لسلطة اعدت كل شيء وفق ما يلبي مصالح هذه الجغرافية التي تحول معظم رموزها لمراكز نفوذ بفعل قربها من السلطة وقرب الخزينة العامة للدولة منها..

هل سأل احدكم فقط أين تكمن مشكلة الجمهورية اليمنية اولا وثانيا اين تكمن مشكلة اليمن قبل ذلك..

تأتي القضية الجنوبية لتجيب عن هذا السؤال بشقه الأول، لكن احدا من المعنيين او المتابعين والمهتمين لا يأبه لذلك ، كون القضية الجنوبية لا تهدد سلطة يستفيد منها الجميع بطريقة او بأخرى، اضافة للعزلة التي فرضتها قوى الحراك الجنوبي ومن تصدوا لقيادة هذه القضية حين ذهبوا يبحثون عن حلول للقضية في متاهات التاريخ وأوهام الجغرافية لا في الواقع الذي تخلقت فيه هذه القضية ونشأت والمفترض به الإنطلاق من نقد تاريخي لتجاربهم السابقة وخلق أفاق جديدة أكثر واقعية لتحقيق الأهداف الإجتماعية للقضية الجنوبية..

هذا البحث في المتاهات قد جنب السلطة في صنعاء عنا التصدي للقضية الجنوبية و(الثورة الجنوبية) كونها ابتعدت عن عمقها الإجتماعي لتنساق خلف دعوات ماضوية لا تعني القضية الجنوبية اليوم في شي ، وبهذا تظل السلطة في صنعاء في مأمن منها.

وهذا كله بفعل اجنحة السلطة المتصارعة في صنعاء التي تضخ امكانيات كبيرة لتعزيز كل التناقضات التي افتعلت أغلبها في الجنوب، فهي تمتلك مصالح ضخمة في الجنوب وتخاف أن تخسرها لو تحرك الناس هناك تحركا واعيا..

لا احاكم الجنوبيين اليوم ولا ادينهم فأنا على ثقة بأن الذين أخرجوا بريطانيا لن يعدموا الحيلة اخيرا في الإنتصار لقضيتهم..

الحل العادل للقضية الجنوبية هو المدخل الحقيقي لبناء دولة يمنية حديثة ،ذلك أن أزمة الجمهورية اليمنية تأتي من الخلل الذي ضرب عمقها بعد اربع سنوات فقط من ميلادها..

اتسأل فقط لو أن تفهم منطقي لمطالب الجنوبيين قد برز على خطابات النخب السياسية الحالية ورافق ذلك خطوات ايجابية لإعادة الحقوق لأصحابها في الجنوب، هل سنواجه هذه التداعيات بشكل مخجل ومواقف غير واضحة ومرتبكة كل يوم..

اعني هنا بأن رؤيا واضحة كانت ستقود البلد نحو المزيد من التحرك للخلاص من هذا المستنقع الذي تغذيه مراكز النفوذ وسنكون امام مسؤولية وطنية عريضة..

اذا بدون الإلتفات لهذا الخلل الذي ضرب عمق الدولة اليمنية المعاصرة فإننا سنظل نحرث في البحر لا أكثر وستتعمق الصراعات بين مراكز النفوذ للإستحواذ على ما تبقى من جسد الدولة حتى تتحلل اخيرا وها هي بالمناسبة في الطريق وقد قطعت اشواطا..

وحدة1990م اوجدت مساحة مضاعفة وامكانيات وفرص مضاعفة ايضا لبناء دولة ، بيد أن مراكز النفوذ في صنعاء تحمسوا للإجهاز على هذا المنجز لصالح مراكمة المزيد من الثروات والنهب..

وتم بالفعل الإجهاز على أمل اليمنيين بدولة وتبعا لذلك تم اقصاء وتسريح عشرات الألاف من الجنوبيين الى رصيف البطالة ما شكل بدورة ضربة قاضية لميزان الشراكة الوطنية وضمانة بناء دولة وعدم خضوعها لإبتزاز الرموز التقليدية.

اليوم يحتدم الصراع بين هذه الرموز التي اضحت مراكز نفوذ واستقطاب نشط يوظف كل امكانياته للإجهاز على ما تبقى من حلم اليمنيين بالدولة ،ولينساق السياسيين لتأويل ما يحدث بإنتقائية فجه تهمل معها أغلب الحقائق لتنتصر لمواقف جزئية.

وهنا يأتي الحديث الجاد عن خطر الحوثي او جدوى افعاله ولينقاد الناس اذا لتائيد او رفض صراعات اجنحة السلطة في صنعاء مهملين مصالحهم الإجتماعية وهمآ بأن احد طرفي الصراع الحالي سيحقق مصالحها دون أن يستعيد فاتورة ما خسرت في معاركة من عرقنا اولا وليذهب بعدها لمراكمة القوة حفاظا على مركزة الذي استحقه بجدارة فعله وجدارة تيهنا نحن.

اليس الحديث بمسؤولية عن هذا الخلل الذي اصاب الدولة اليمنية والتحرك الجاد لتقويمه كفيل بردع أي محاولات همجية لمحاصرة عاصمتنا وتهديد مستقبلنا جميعا..

الإثنين, 15 أيلول/سبتمبر 2014 18:27

مع السياسة

 

الحديث عن السياسة أمر يفتقر للدقة ويثير الكثير من الاستياء وعدم الاكتراث، فهو حديث تنقصه المصداقية ومراوغ، لذا تجد أغلب الناس يتعاطون معها كماده للتسلية وتمضية الوقت لا أكثر وبالمقابل فهم ينفرون من الاهتمام بها وينصرفوا من الحديث عنها لما هو اهم بنظرهم، حيث تأتي اولوياتهم المعيشية واهتمامات المستقبل في سلم اولويات التفكير، وهو حديث أخر عن السياسة لكن بشكل مبسط وفيه من الجدية الكثير، كما هي الحرب ممارسة للسياسة بوسائل اخرى حسب تعبيرات متداولة.

النخب السياسية في البلد أفقدت الناس الثقة بجدوى العمل السياسي خصوصا في فترة ما قبل الثورة، تلك الفترة سادها الجمود على اغلب المستويات كما هو معروف، حيث اقتصر مجال اهتمام النخب حول تحسين شروط المفاوضات على قضايا بعيدة عن اهتمامات الناس اليومية، (القائمة النسبية واللجنة العليا للإنتخابات واشياء مشابهة)، واضحت السياسة لا تؤكل عيش، بهذا المعنى البسيط ينظر لها الغالبية فحيث لا توجد فرص للعيش يبقى من العبث شغل الوقت وتمضيته بالحديث عنها.

على أن ثورة11فبراير كما بتعبير الدكتور عبد الرحمن عمر السقاف، "قد اعادت الإعتبار للسياسة كفعل اجتماعي جمعي" حيث أخذ الناس يتداولون اخبارها ويتابعون مجرياتها بشغف واهتمام كبيرين، ذلك أنهم كانوا صانعي هذه العملية والمعنيين بها قبل غيرهم، رغم هذا الشغف الذي تولد لدى الناس بفعل الثورة ورغم اصرارهم على انجاز العملية الثورية ولو عبر السياسة وادواتها ،فقد اصبح المهم لديهم هو الإنتصار والتخلص من ماضي مرير عبث بحياتهم وهدد مستقبلهم كثيرا وبأي وسيلة خاصة بعد المؤشرات المخيفة التي بدأت الثورة تنجر نحوها.

حيث راهن الشارع على كل الخيارات لتحقيق اهدافه بما في ذلك العمل السياسي ولو لم يبدي الثقة الكاملة به الا أنه ظل يراقب العمل السياسي بإهتمام بالغ الى أن سلم بهذا الخيار اخيرا، ورغم هذا كله الا ان اهتماهم ذلك انحسر تدريجيا ليصل بفعل عملية التيئيس التي عملت عليها بعض القوى وضختها للناس مسخِّرة امكانياتها المختلفة ومستغلة لفساد واخفاقات بعض المكونات المحسوبة على الثورة الى معاودة الإنطباع السابق عن السياسة وعدم جدواها.

سيصبح الحديث عنها اذا -كما كان- حديث يثير ذلك النفور الذي قد يصل للكراهية احيانا، وستجد نفسك محاصر كشخص مهتم بالسياسة والشأن العام ومحل للنظرات المتضايقة، ولن يتأخر البعض عن السخرية منك، كشخص لم يستوعب بعد عبثية السياسة وعدم جدواها.

 اتحدث عن هذا الوضع ولا اهمل الإندفاع الكبير الذي حصل بالمقابل للإهتمام بالسياسة لدى كثير من الناس والشباب بوجه خاص، الا أن التعاطي معها لا يزال تقليدي ومبسط، والأنظار المتابعة في عجله من امرها وتريد انجازات على وجه السرعة والا فتحاصر بالإنطباعات السلبية عنها وتلحظ انعدام الثقة قد اصبح سائد لدى الكثيرين.

على أن التعاطي الإيجابي مع فعل بهذه الأهمية التي يتحدد بها مصير بلد، هو ما سينتج حالة من التبشير بجدوى العمل السياسي بل وبأهميته .

سأتحدث هنا عن العملية السياسية كمساحة للفعل وتحقيق الإنجازات، مساحة توازي الفعل الجماهيري الذي هو المصنع الأول لها. فحيث ينخرط الناس في نضالات جماهيرية للتعبير عن مطالبهم الا انها لا تتحقق بغير ادوات السياسة وفعلها اليومي.

استطيع القول ايضا بأن العملية السياسية الجارية اليوم قد انجزت عدد من الأهداف التي نادت بها ثورة 11فبراير ، فبغير العملية السياسية لما انهارت امبراطوريات عتيقة ظلت لعقود جاثمة على نفس الشعب ومصدر ويلات كبيرة كما أنها انجزت الكثير من مهمة التغيير بطريقة أنضج من التعويل على الفعل الجماهيري في الشارع، ذلك ان هذا الفعل مهما بدأ كثيفا ومصدر قوة الا انه في الحالة غير الواعية والمنظمة لمجموعه كما كان حاصل في ثورة الشباب يظل عرضه لانتهازية القوى المنظمة للثورة او تلك التي ترى في الثورة مجرد مكاسب وانجازات خاصة بها ،هنا سيكون الأمر مختلف حيث لا يمكن الثقة بالسياسة سوى بوجود فاعلين سياسيين ينتصروا عبر اداءهم لمطالب الناس ، منطلقين من المطالب الشعبية لتحوليها الى قضايا، يصبح الحديث عنها بشكل أخر واكثر مسؤولية من قبل اطراف هذه العملية..

اتذكر جيدا الموقف السلبي الذي عبر عنه غالبية شباب الثورة حين آلت الثورة الى عملية سياسية سيتقاسم اطراف السلطة والمعارضة للحكم وتتبخر آمال الناس بجدوى الثورة، سيتحدث الكثيرين عن المحاصصة والتقاسم وسيلمح اخرين للفشل وخيبة الأمل اخيرا كون العملية السياسية بطئيه ولم تنجز مطالب الثورة بالشكل المطلوب والسرعة المتوقعة..

وهنا سنتسأل عن مألات الثورة والمحصلة التي ستفضي اليها مع التأكيد على عدم اهمال قيادات الثورة والطريقة التي برزوا فيها وكذا لحماتها ومواقعهم اللاحقة والاوضاع التي كانوا يمثلوها قبل الثورة.

سنجد الكثير من المفارقات اولا في الثورة ذاتها التي انتفضت ضد منظومة الفساد والإفقار والعبث التي مثلت بنية النظام السابق وظلت حجر عثرة امام تقدم اليمنيين وانجاز عمليتهم التاريخية المضادة لمصالح هؤلاء المنتصرة لخياراتها الإجتماعية، والطريقة المعدة لمستقبنا جميعا من قبل مثل هؤلاء (مصالح اجتماعية متناقضة ومواقع طبقية تفرض مطالبها تبعا لهذا الموقع او ذاك) ولا داعي للحديث عن المألات الكارثية التي ستسفر عنها ثورة بمثل هكذا قيادات، على أن الحاصل اليوم رغم كارثيته لا يساوي شيء امامها، ولا داعي لبديهية المحصلة النهائية لها.

لقد مثل الإقصاء واهمال شرائح واسعة من الشعب عن المشاركة الفعلية في السلطة والثروة أهم اسباب ثورة 11فبراير، كون الإقصاء والتهميش افضى بدوره لإفقار هذه الشرائح ورتب لها درجات دنيا في سلم اهتماماته الذي بدأ يتقلص ليشمل الأسرة الصغيرة، لذا فقد كان من المنطقي اعادة هذه الشرائح والقوى الإجتماعية الى متن العملية السياسية كشركاء في صياغة وثيقة نظرية لمستقبل البلد وبالتالي شراكة فاعلة في تنفيذ هذه الوثيقة، لتتجسد هذه الشراكة على الواقع ويتجاوز اليمنيين مرحلة سيئة في تاريخ بناء دولتهم وليشرعوا بعد ذلك في تقديم المشاريع وكسب ثقة الناس لإستكمال مهام الثورة الإجتماعية.. الا أن أشياء كثيرة من ذلك لم تنفذ وعادت البلد الى المربع السابق بشخصيات جديدة واربطة عنق مختلفة وانحياز ثابت لم يتغير ولتراوح الأزمات الإجتماعية  والإقتصادية مكانها ولتواصل احتدامها لتنفجر مجدد ودون الأخطاء السابقة لكن بأخطاء جديدة وتقليد كبير لخطاب ساحة التغيير.

اشتغل طرفي السلطة مع المريدين والأتباع المشكلة لبنية النظام على الدوام من خارج العملية السياسية وتعاملت مع الدولة كفريسة تنقض عليها لتجيير امكانياتها لخدمة مشاريعها الخاصة، وامام هذا كله ظلت الدولة كفكرة غائبة عن هذه القوى وحاضرة كإمكانيات تستخدمها لقمع الأخر وقهره وكذا للاحتماء وتسهيل انجاز مهامها الخاصة القائمة على الوكالات التجارية وبناء المراكز النافذة والمتحكمة بشؤون المجتمع من خارج الدولة.

وظلت لذلك تتعامل بانتفاعية محضة مع الدولة، فهي لا تعبأ بالأخرين الا كرعايا يفترض بهم الإمتثال والطاعة في اقبح صور امتهان الإنسانية حيث يقسم المجتمع الى اسياد وعبيد، اناس يحتمون بإمكانيات الدولة ويسخروها لمصالحهم وأناس يظلوا رعايا حالمين بوهم الدولة.

ولكي لا نكرر مهازل التعامل مع الدولة كغنيمة يفترض بالقوى الطارئه ان تكون داعم حقيقي لبناء دولة وان تشتغل لأجل ذلك من داخل العملية السياسية وبأدواتها لا من خارجها، والا فنحن امام فصول جديدة من استمرار اختطاف الدولة، على أن التعويل على قوى دينية لا تعي التاريخ وتتعامل معه بميكانيكية فجه يصبح تعويل لا طائل منه.

مع السياسة كفعل اقل كلفة واكثر قدرة على تحقيق انجازات على الأرض، لكن لست مع السياسة حين لا تحظر فيها قضايا الناس، حين تصبح مجرد تقاسم للغنائم لا أكثر.