الحقيقة لا تصير حقيقة إلا بالتجربة، هكذا يقول ليو شتراوس. لذلك حان الوقت المثالي للحزب الاشتراكي اليمني من أجل أن يأخذ مسافة معتبرة من كل ورثة الخراب الموهوبين في إنتاج الخراب فقط.
ولعل تحركاته منذ أسابيع وسط ظروف محتدمة ولاعقلانية كهذه، ساعياً وطامحاً الى تكوين حامل مدني موسع يصب في تنفيذ مخرجات الحوار الوطني الشامل وبأفق عمل مؤسسي يمتلك القدرة على الاستمرارية والتفاعل مع مختلف المعطيات في سبيل تنفيذ تلك المخرجات الى حقائق، هو ما يجسد استيعاب الحزب بأن هذا الطريق وحده الأكثر أمناً والأقرب الى تطلعات المجتمع اليمني الذي سئم الحروب وأنهكته تضحياتها الباهظة.
فلقد انحاز الحزب للسياسة وأدواتها ليجسد حالة معتبرة من الرهان على المستقبل. بينما كل ما يحدث الآن سببه إحباط الأطراف المهيمنة للسياسة وللسلم بشكل مهووس ونزق حتى ان تلك الأطراف عملت على تقديم اليمن إلى فم الذئب كما تؤكد الوقائع.
والحال ان مأزق اللحظة الراهنة يتمثّل في مخرجات العنف والإفقار والإفساد، ما يفترض تفعيل المسؤولية لدى مجمل النُخب المدنية الوطنية في ترشيد الأداء العام المفتقد إلى المسؤولية، فالأزمات تلو الأزمات التي يعانيها المجتمع متشابكة ومتداخلة فيما بينها، لكن كيف يُعقل أن تقود الثورات والانتفاضات التغييرية في العالم العربي عموماً واليمن بشكل خاص إلى تطورات معاكسة، أي إلى تنامي التدهورات؟.
بمعنى آخر كيف تم إضعاف واضمحلال نوايا التنوير والعدالة الاجتماعية إلى هذا الحد فيما بعد ما سمي الربيع العربي؟.
بالتأكيد تحتاج الحركات المدنية اليمنية من كافة نواحيها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية... إلخ إلى نقد وتحديث عميق في بُنية عقلها وابتكار قدرات للمعالجات والانفتاح المتسق على هموم الدولة والمجتمع معاً، بدلاً من الإغراق في التشوُّه والانغلاق كباقي أطراف الهيمنة التاريخية بتنويعاتها كافة.
انه اختبار الحزب في هذه اللحظات الوطنية الحرجة. الحزب الذي ليس مع إقصاء طرف لأي طرف والذي مع إيجاد حلول وطنية موضوعية عادلة للمشكلات المتراكمة والمستجدة.
كذلك يجب ان يكون هذا المسعى لتكريس التصويبات اللائقة في عموم المشهد المأزوم، بدلاً من التماهي مع الاستلاب الذي تحدثه مختلف الانحرافات المشينة التي يكوينا بها هذا المشهد الذي تتجاذبه "المواقف الحدية بين أقصى اليمين وأقصى اليسار مع رفض الحلول الوسط بينما الوقت قد حان للتصرف بقدر من الاعتدال والتنازل للعقل من أجل اليمن".
وكما قال جار الله عمر أيضاً عقب حرب صيف 94 المشؤومة ولم يسمعه أحد: "إن مجرد الانتصار في حرب داخلية، دون مشروع سياسي يلامس حاجات الناس ومتطلبات العصر لا يعني شيئاً في النهاية وقد يتحول النصر الى عبء معنوي ومادي وقيد على صانع القرار وقدرته على الحركة والمناورة والتراجع في اللحظة المناسبة، فغالباً ما تنزع الجيوش المنتصرة الى مشاركة الساسة في صناعة القرار السياسي، خصوصاً إذا كانت مُسيَّسة وليست محترفة، وهذا ما حدث بعد الحرب فعلاً وما زالت تمثل واحدة من أهم التعقيدات التي تقف عائقاً في الطريق الى المصالحة في اليمن".
وأما بسبب ذلك التطرف والقصور كان ان نتجت الحالة التي لا تساهم أبداً بحسب جار الله في "تأسيس مجتمع جديد يكون الحق فيه فوق القوة وتنظيم العلاقة بين أفراده على أساس المواطنة والتساوي في الحقوق والواجبات كافة وإشاعة روح التسامح والإخاء واحترام حقوق الانسان وحرياته الأساسية".
في السياق لطالما أكد الراحل المقيم عمر الجاوي بأنه "لا مستقبل مبشّر مع سلطة من نتاج الحرب".
وبالطبع نستحضر الجاوي وجار الله بينما نحن في خضم حرب 2015 الرجيمة لأن الأوضاع قد تفوقت في تدهورها عمّا أحدثته حرب 94م ولم نستوعبهما بعد!.
المهم: تحية لجهود الحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري والتجمع الوحدوي واتحاد القوى الشعبية والتجمع الوطني لمناضلي الثورة في هذا الصدد.
على أننا نأمل بتوسع هذا التكتل الذي ما تزال خطواته الأولية تتشكل ليضم مختلف النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني المختلفة.
تحية عارمة للصوت الناضج والحكيم والشفاف لأجل ترشيد المشهد الحالي والمشهد الذي سينبثق، توقاً للالتحام بالجماهير اليمنية الوطنية الرافضة لكل العبث.

